مُلتَقى الدعوةُ والدعاةُ
نحن فى سعادة غامره بوجودكم معنا نرجوا من الله توفير كل ما يسعدكم فى هذا المنتدى ولكم جزيل الشكر

المدير العام
الشيخ محمدشوقى
مُلتَقى الدعوةُ والدعاةُ

ْإسلًامى يَجمَعُ أَهلَ العلم والمَعرفة وطالبى العلم الشرعى لاهل السنه والجماعه
 
البوابةالرئيسيةالأحداثاليوميةمحمدشوقىمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
## افتتاح أكاديمية الأوقاف لتدريب الأئمة وإعداد المدربين مطلع يناير 2016م### اداره المنتدى##
### الأوقاف تبدأ في نشر خطبة الجمعة مترجمة إلى الإنجليزية من الجمعة القادمة 6 / 11 / 2015م م###
"" لجنة الفتوى بالموقع ترحب بكم وتقدم لحضراتكم فتاوى على ت01004017725""
مجمع البحوث الإسلامية ينعي وفاة د.محمود محمد عمارة
"""خطبة الجمعه القادمه 253216 - بعنوان فضائل الصحابه الكرام وحرمة الطعن فيهم"""
بحـث
 
 

نتائج البحث
 

 


Rechercher بحث متقدم
الشيخ محمدشوقى
ُ مُنْتَدَيَاتُ مُلْتَقَى؛ الدُعَاةُ}ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ }النحل125.
سحابة الكلمات الدلالية
موزلى الحرم مندليف اسباب الملك ولد جدول 8377466 الاشهر عمران العالم توثيق بغد 2255 الإمام 7465625 8999 8888 سورة 2664 تصنيف ويقولون محمد 06 تعديل 0
المواضيع الأخيرة
» مخالفة علماء المذهب لإمام المذهب :
الثلاثاء 03 أبريل 2018, 12:01 am من طرف Admin

» الجن العاشق
الإثنين 02 أبريل 2018, 4:16 pm من طرف Admin

» سحر التسليط يدمر حياة الفتيات ويقودهن إلى العنوسة
الإثنين 02 أبريل 2018, 4:03 pm من طرف Admin

» عمر بن الخطاب يعزل خالد بن الوليد
الإثنين 02 أبريل 2018, 3:46 pm من طرف Admin

» فضائل شهر رجب
الإثنين 02 أبريل 2018, 3:31 am من طرف Admin

»  واقعة القبض على ٣ شباب مسلمين بتهمة الإساءة إلى «مريم العذراء كيف حكمت عليهم القاضيه
الإثنين 12 فبراير 2018, 12:17 am من طرف Admin

» الفرق بين القرآن والحديث القدسي والحديث النبوي
الإثنين 12 فبراير 2018, 12:14 am من طرف Admin

»  : السند والمتن .
الإثنين 12 فبراير 2018, 12:13 am من طرف Admin

» [ معنى النبي ] وحقيقة " النبي "
الإثنين 12 فبراير 2018, 12:08 am من طرف Admin

مايو 2018
الأحدالإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبت
  12345
6789101112
13141516171819
20212223242526
2728293031  
اليوميةاليومية
التبادل الاعلاني

انشاء منتدى مجاني



الحمدلله على نعمة الاسلام
ايها الاخوه الدعاه الى الله وكذا جميع الزائرين والزائرات مرحبا بكم واهلا نتمنى من الله ان نكون عند حسن ظنكم جميا والله الموفق الى الخير وهو حسبنا ونعم الوكيل
الشيخ محمدشوقى
ُ مُنْتَدَيَاتُ مُلْتَقَى؛ الدُعَاةُ}ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ }النحل125.
المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 3 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 3 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 50 بتاريخ الجمعة 25 مارس 2016, 12:22 am

شاطر | 
 

 وسطية الاسلام وغلو العلمانيين

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
الشيخ محمدشوقى المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 7320
نقاط : 25037
تاريخ التسجيل : 16/08/2011
العمر : 46
الموقع : https://www.facebook.com/profile.php?id=100001995123161

مُساهمةموضوع: وسطية الاسلام وغلو العلمانيين   الأربعاء 09 ديسمبر 2015, 3:56 am

مقدمة:

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبيّ الهدى ومعلّم الناس الخير محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.
 

لقد عانت المجتمعات الإسلامية ولا سيما في السنوات المنصرمة من نتائج التشدد والغلو في الدين كثيراً جداً حيث سُفكت دماء الأبرياء، وخربت بيوت، واستحلت أموال وأعراض، وكان التصدي لهذه التجاوزات في كثير منها بالعنف والقوة رغم أن ذلك يرجع في الأصل إلى عقائد وأفكار غالية نتيجة أوضاع المسلمين اليوم وتكالب الأمم عليهم وتخبط فئة من المسلمين في طرق التعامل مع الآخرين وقبولهم في المجتمعات المسلمة أو نتيجة جهل وقلة وعي بحقائق الدين الحنيف وظناً من هؤلاء أن عظم الأجر في التشدد والغلو، حتى أوصل بهم ذلك لتكفير المسلم وإباحة دمه في كثير من الأحيان، ليخرج على الناس أشخاص غير معروفين بالعلم والتقوى صغار في أعمارهم يفتون على جهلهم بأبسط مسائل الحلال والحرام، ودون معرفة بأبسط قواعد الفتوى والقضاء فيقعون في أخطاء كبيرة تحسب على الأمة والدين وتسيء لسمعة الإسلام الحنيف المبرأ من كل سوء وضلال.
 

وكان الأولى دراسة أفكار هؤلاء وتشخيصها جيداً لتصحيح السقيم منها وتقويم المعوج وتنبيه الضال ومنع السفيه.......كل ذلك عن طريق علماء ومفكرين يقومون بهذه المهمة بصدق ووعي تام ومعرفة وافية بالمجتمع ومشاكله لينفذوا عملهم بشكل علمي دقيق معتمدين على النصوص الصحيحة والأحاديث الصريحة والصور الواضحة من حياة الرسول صلى الله عله وسلم وحياة الصحابة والتابعين ومن بعدهم ممن يقتدى بهم.
 

وكان لزاماً على علماء الأمة القيام بمهمة البيان والتوضيح والهداية لتحديد الخطوط العريضة في الإسلام تجاه كافة القضايا والمسائل العالقة حتى لا يتلاعب بذلك المغرضون أو يسيء إليه الجهلة والغافلون.
 

وبناءً على ذلك فإن نظرية الوسط تحتل الصدارة في الأهمية اليوم وهذا هو سبب اختيار هذا الموضوع، لأنها من قضايا الساعة المهمة جداً.
 

التعريف بالوسطية:

الوسط محركَّةً من كل شيء: والوسيط: المتوسط بين المتخاصمين. وتوسط بينهم: عمل الوساطة وأخذَ الوسطَ بين الجيد والرديء. ووَسَّطَهم: أي جلس وسطهم، ووسط ُ الشيء مابين طرفيه[1] والوسطية: نسبة إلى الوسط...
 

وقد ورد ذلك في القرآن الكريم في قوله تعالى ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾[2]تقاربت أقوال المفسرين في المراد من الوسط في الآية قالزمحشري عرف الوسط بأنهSad أو الوسط: العدل بين الأطراف ليس إلى بعضها أقرب من بعض)[3].أما ابن كثير فذهب إلى أن ( الوسط هاهنا: الخيار الأجود كما يقال: قريش أوسط العرب نسباً وداراً أي خيرها)[4].والشوكاني قال: ( ولما كان الوسط مجانباً للغلو والتقصير كان محموداً: أي هذه الأمة لم تغل غلوّ النصارى في عيسى عليه السلام، ولا قصروا تقصير اليهود في أنبيائهم) [5].
 

والحاصل أن: (أمة وسطاً) تعني خياراً وهي صفة بالاسم الذي هو وسط الشيء.
 

وقد ورد هذا اللفظ في القرآن الكريم في مواطن عديدة منها:
﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾[6] ذهب جمهور العلماء إلى أنها صلاة العصر [7]، وذلك لأنها الوسطى بين الصلوات فقبلها صلاتان وبعدها صلاتان أو لأنها في وسط النهار[8]. وقد ورد ما يؤكد أنها صلاة العصر من حديث البخاري[9] عن علي[10]رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال يوم الخندق:"ملأ الله عليهم بيوتهم وقبورهم ناراً كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس [11]" فالصلاة التي غابت عنها الشمس هي العصر وسميت بالوسطى لما ذكر.
 

كما في قوله تعالى ﴿ لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾[12]، أي من أقصده لأن منهم من يسرف في إطعام أهله ومنهم من يقتر فالمراد بالوسط بين طرفي الإسراف والتقتير [13].
 

أما في قوله تعالى ﴿ قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ ﴾[14]فَفُسِّر ﴿ أوسطهم ﴾ بأمثلهم وأعقلهم وأعدلهم وخيرهم [15].
 

مجمل ما سبق يتبين أن الوسط معناه الخيار والعدل بين الأطراف والأجود والأقصد والأمثل والأعقل... كلٌّ حسب العبارة التي ورد فيها اللفظ أو المقام الذي قيل فيه..
 

ولهذا قال الله تعالى عن أمة الإسلام ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾[16] أي جعلناكم خيار الأمم لتكونوا شهداء على الأمم فتشهدوا للأنبياء على أممهم أنهم بلّغوهم لأن الجميع معترفون لكم بالفضل [17].
 

والخلاصة: أن (التوسط حالة محمودة غالباً تقوم في العقل الإنساني السليم بالفطرة وتعصمه من الميل إلى جانبي الإفراط والتفريط )[18].
 

1- مفهوم الغلو عند المسلمين:
الغلو: معناه مجاوزة الحد، يقال: غلا فلان في الأمر غلواً إذا جاوز حده، ويقال: غلا في الأمر أي تشدّد وتصلب حتى جاوز الحد [19].
 

والغلو في الدين يكون بالخروج عن الحدود التي رسمها الشرع يقول الله تعالى : ﴿ الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ ﴾[20] والحدود: هي النهايات لكل ما يجوز من الأمور المباحة المأمور بها وغير المأمور بها[21].
 

وتعديها: هو تجاوزها وعدم الوقوف عليها [22].
 

ومن مظاهر التطرف: التزام التشدّد دائماً، مع قيام موجبات التيسير وإلزام الآخرين به حيث لم يلزمهم الله به، إذ لا مانع أن يَأخذ المرء لنفسه بالأشد في بعض المسائل، وبالأثقل في بعض الأحوال تورعاً واحتياطاً ولكن ينبغي أن يكون هذا ديدنه دائماً وفي كل حال بحيث يحتاج إلى التيسير فيأباه وتأتيه الرخص فيفرضها[23].
 

2- مفهوم الغلو عند العلمانيين:
إن كل محاولة لتطبيق الشريعة الإسلامية في أية منطقة إسلامية، وكل دعوة إلى تطبيق شيء منها تدخل تحت ظاهرة الغلو والتطرف الديني في مفهوم بعض العلمانيين[24].
 

وقد تبين هذا المفهوم جلياً في الندوة التي شارك فيها أقطاب الاتجاه العلماني في العالم العربي [25]، يقول أحد المشاركين في الندوة التي عقدت في القاهرة: ( إن أصحاب هذا التيار "أي الديني" كانوا وما زالوا يخلطون بين الدعوة إلى الإسلام كدين وعقيدة وأخلاق وبين الدعوة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية كمجموعة من النصوص التي تنظم المعاملات الاجتماعية بين الناس )[26].
 

ويقول أيضاً: (إن المهام الرئيسية الملقاة على عاتق العقلانيين في مصر والعالم العربي الدعوة إلى الفصل بين الإسلام والشريعة الإسلامية )[27].
 

أسباب الغلو في الدين ودوافعه:
أسبابه كثيرة فقد يكون الغلو في الدين بسبب:
1- المبالغة في الاندفاع القوي دون بصيرة وتعقل بقصد الظفر بأعلى الدرجات في الدين واحتلال أرفع المنازل ويصحب ذلك تسرّع شديد وتعمق محدود وخلط في المفاهيم وفسادٌ بالتالي في تصّور الحقيقة.
 

2- وقد يكون بسبب الرغبة الشديدة في كسب قناعة الناس وتعاطفهم واحترامهم لأنهم يرون المتشدد في الدين حائزاً أعلى درجات التقوى والاستقامة فيجلونه ويتبعونه أكثر.
 

3- ولعل من أكبر الأسباب سوء فهم في الدين ربما للاجتهاد الشخصي دون الرجوع إلى العلماء المحققين المعتمدين وكتبهم أو لأن إمامه فعل ذلك ودعا إليه فقلّده دون فهم أو إدراك.
 

4- وقد يكون الدافع إلى ذلك هو إفساد الدين إذا كان حاقداً مندساً يظاهر بالدين والالتزام وهو يقصد هدمه من جذوره كما يحدث ذلك لدى بعض الجماعات المخترقة من قبل جهات سياسية لتنفيذ مآربها وأغراضها التي لا علاقة للدين بها، لذلك يجب أن يحذر الشاب المسلم حذراً شديداً.
 

نتائج الغلو في الدين وآثاره:
والغلو في الدين مرض خبيث وداء خطير في النفس المغالي والمجتمع بأسره ولاسيما إذا كان المغالي قدوة يقتدي به الناس.
 

وللغلو آثار سيئة جداً فمن ناحية العقيدة قد يخرج الغلو صاحبه من الدين ويؤدي به إلى الكفر كما حدث لكثير من أصحاب الديانات السابقة الذين غالوا في أنبيائهم وجعلوهم آلهة وكانت نتيجة ذلك الإشراك والكفر بالله تعالى وترك الهدف الأساسي من بعثة الأنبياء الذي هو توحيد الله تعالى وحده[28].
 

وقد خاطبهم الله تعالى قائلاً: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ﴾[29].
 

وأما من ناحية العبادات: فإن التشديد على النفس في العبادة وإرهاقها بالنوافل والتطوع في طاقتها وعدم إراحة الجسم والعقل والروح سرعان ما يكبو بصاحبه أو يصاب بردة فعل معاكس تماماً ليسيء الظن بدينه ظاناً منه أن الدين هو المتسبب لما وصل إليه[30].
 

وقد ورد عن أبي هريرة [31] رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن هذا الدين يسرٌ ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه فسدّدوا وقاربوا وابشروا...."[32].
 

أي لا يتعمق أحدٌ في الأعمال الدينية ويترك الرفق إلا عجز وانقطع فيغلب[33]، والسداد هو الصواب من غير إفراط ولا تفريط، وقال أهل اللغة: هو التوسط في العمل [34].
 

أما الغلو في الأحكام ومجاوزة الحد المقدر لها شرعاً والتشدّد في تطبيقها وإغلاق باب الرخص الشرعية والمباحات الدنيوية فكل ذلك مؤد إلى أخطار جسيمة من أهمها: صد الناس عن الإقبال على دين الله والتمسك به والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾[35] وورد في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال:" هلك المتنطعون ثلاثاً"[36].
 

التفريط في الدين:
التفريط معناه وتعريفه في اللغة:
الأمر فَرْطاً: قصّر به وضيّقه، وفرّط في الشيء تفريطاً: ضيقه وقدم العجز فيه، ويقال: أفرط خلافاً لفرّط: أي جاوز الحدّ[37]....
 

مفهوم التفريط في الدين:
هو التقصير في أمور الدين والنقص فيه ( وذلك بسبب عدم المحافظة على حدود الله ) [38].
 

وهذا التقصير قد يكون بترك المندوبات والنوافل، وقد يكون بترك شيء من الفرائض والواجبات حسب حال الشخص المقصّر.
 

أما إذا كان التقصير في أمور العقيدة أو أركان الإسلام، أو إلغاء شيء منها فقد يكون الأمر خطيراً بالنسبة لدين المسلم.
 

والتفريط في الدين يعود إلى ضعف في الإيمان وذلك لأن (فتور الخلق عن سلوك طريق السعادة لضعف إيمانهم باليوم الآخر وإلا فالعقل الناقص قاضٍ بالتشمير لسلوك السعادة فضلاً عن الكامل )[39].
 

أسباب التفريط في الدين:
قد يكون التفريط: لعذر أعجزه أو مرض فهذا يخرج عن حكم المقصّرين وقد يكون تقصيره فيه اغتراراً بالمسامحة فيه ورجاء العفو عنه فهذا مخدوع[40] وربما كان غالبية الناس المقصرين من هذا القسم مقترناً عمله هذا بالكسل والاستسلام للراحة والخلود إلى الأرض ويتمنّى على الله الأماني بدعوى أن باب التوبة مفتوح كل حين والله هو الغفور الرحيم وينسى أن الله سبحانه وتعالى يقول:﴿ نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴾[41].
 

وقد يكون تقصيره ليستوفي ما أخل به من بعد فيبدأ بالسيئة في التقصير قبل الحسنة في الاستيفاء اغتراراً في إمهاله [42]وقد يكون تقصيره فيه استثقالاً للاستيفاء وزهداً في التمام واقتصاراً على ما سنح[43].
 

فيبدأ هذا بإتباع السيئة على حساب الحسنة شيئاً فشيئاً حتى ينسلخ من طريق الخير إلى طريق الغواية والضلال.
 

نتائج التفريط في الدين:
قد يكون التفريط في ضروريات العقيدة أو أركان الإسلام أو قواعد الشريعة، كأن ينكر معلوماً من الدين بالضرورة فيؤدي ذلك إلى التنقيص في العبادة أو التهاون فيه قال الله تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِوَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾[44].
 

وتشمل هذه الصورة نماذج عديدة في حياة المسلمين كحصر الشعائر الاجتماعية ومعاملات الاقتصاد والتجارة والسياسة.
 

وسطية الإسلام بين الغلو والتفريط:
نظرية الوسطية: قال الله تعالى ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾[45].
 

إنها الأمة الوسط التي تشهد على الناس جميعاً فتقيم بينهم العدل والقسط وتضع لهم الموازين والقيم.[46]
 

وهذا الوصف إنما هو أصله للإسلام الذي شرّف الله به عباده جميعاً وحقن به عقولهم من غلو الإفراط والتفريط في فهم الأشياء والتعامل مع الحياة ولكن كثيراً من الأمم السابقة شَذَّتْ بفكرها وسلوكها عن هذا التعامل فكان أن وقعت في براثن الإفراط والتفريط [47].
 

وقد فسّر كثيرون الوسطية بأنها بين الروحانية والمادية لأنها لم تهمل مطالب الجسم بجوار عنايتها بالروح وتهذيب النفس وتربية الوجدان فهي شريعة الفطرة والروح ترفع الإنسان إلى المعارج العليا ولا تنحط إلى سفساف المادة.[48]
 

يقول الإمام الغزالي [49] رحمه الله: ( إن الإنسان خلق على رتبة بين البهيمة والمَلَك وفيه جملة من القوى والصفات فهو من حيث يتغذى وينسل فنبات ومن حيث يحسّ ويتحرك فحيوان ومن حيث صورته وقامته فالكصورة المنقوشة على الحائط من استعمل قواه الملكية فقد تشبّه بالملائكة قال الله تعالى:﴿ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾[50] ومن صرف همته إلى اللذات البدنية فقد تشبه بالأنعام )[51].
 

وقد لبى الإسلام نداء الفطرة في كل منها فالإنسان مخلوق من روح وجسد ولكل منهما متطلباته الخاصة به فالروح[52] متعلق به المشاعر والعواطف حيث تهذبه العقيدة والعبادة والأخلاق، والجسد يتعلق به الغذاء والشراب والتناسل، ويهذبه ما يهذب الروح، فالدين هذّب الإنسان بجانبيه دون بَتْرٍ أو رهبنة، وجعله وسطاً فلا غلو في التجرد الروحي ولا في الارتكاس المادي، إنما تتبع الفطرة الممثلة في روح متلبس بجسد أو جسد متلبس به روح وتعطي لهذا الكيان المزدوج الطاقات، حقه المتكامل من كل زاد وتعمل على الترقية في الحياة ورفعها في الوقت الذي تعمل فيه على حفظ الحياة وامتدادها وتطلق كل نشاط غي عالم الأشواق وعالم النوازع بلا تفريط في قصد وتناسق واعتدال.[53].
 

الوسطية في العقائد:
يؤمن المسلم بالله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له وهي دعوة الأنبياء جميعاً، ولا يجوز صرف شيء من صفاته الخاصة به إلى غيره كما لا يجوز التنقيص منها كما فعل المشركون حين ادعوا أنهم إنما يعبدون الأصنام لتقربهم إلى الله سبحانه قال الله تعالى على لسانهم:﴿ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ﴾[54].
 

وهذه هي بداية الشرك حيث تقدس الناس الصالحين من البشر ثم تعتقد لهم صفات خاصة لله تعالى، ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في جاهليتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك. وهذه الشبهة هي التي اعتمدها المشركون في قديم الدهر وحديثه وجاءتهم الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين بردّها والنهي عنها والدعوة إلى إفراد العبادة لله وحده لا شريك له وأن هذا شيء اخترعه المشركون من عند أنفسهم لم يأذن الله فيه ولا رضي به بل أبغضه ونهى عنه.[55]
 

كما يجب الإيمان بالملائكة دون غلو فلا يجوز تقديسهم إلى درجة العبادة كما كان يفعل مشركو قريش بدعوى أنهم يتخذون الملائكة أو الصالحين وسطاء قال الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾[56].
 

(فالملائكة التي في السموات من الملائكة المقربين وغيرهم كلهم عبيدٌ خاضعون لله لا يشفعون عنده إلا بإذنه لمن ارتضى وليسوا عنده كالأمراء عند ملوكهم يشفعون عندهم بغير أذنهم فيما أحبه الملوك وأبَوْهُ )[57].
 

كما يقاس ذلك على الإيمان بالكتب السماوية دون استهتار يؤدي إلى التلاعب أو التحريف لها.
 

( أما الإيمان بالرسل فيتمثل في احترامهم وحبهم دون غلو كما فعل أهل الكتاب الذين غالوا في عقيدتهم بالرسل وكانت نتيجة غلوهم الكفر والوثنية والإشراك فقال عز وجل عن النصارى [58] ﴿ يا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِوَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً ﴾[59].
 

أما اليهود فإنهم حاربوا الأنبياء وقتلوا منهم قال الله تعالى: ﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴾[60].
 

(كما يؤمن المسلم بالحياة الآخرة مع الحياة الدنيا دون تناقص أو فصل مع التسليم بالقضاء والقدر فالمسلم ( وسط بين الغلو والتقصير وبين الجبر و القدر [61] فهو مسيّر في التصرفات والحركات التي تصدر منه خارج قصده وإرادته كالولادة والموت والمرض وهو مخيّر في التصرفات والأعمال التي تأتي ثمرةَ قصدِ وإرادةٍ من صاحبها كقيام أحدنا إلى الصلاة )[62].
 

فعقيدة المسلم عدلٌ بين الأديان والشرائع وذلك لأن أمة الإسلام، وسط في كل شيء ودين الله بين الغالي فيه والجافي عنه )[63].
 

الوسطية في العبادات:
لقد قام التشريع الإسلامي على أسس ثلاثة: عدم الحرج وقلة التكاليف والتدرج في التشريع فليس في التكاليف الإسلامية شيء من الحرج والشدة وليس في أحكام القرآن مما يعسر على الناس وتضيق به صدورهم [64]، وقد قال الله ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾[65]، وقال صلى الله عليه وسلم: " عليكم من الأعمال ما تطيقون"[66].
 

وقد فتح باب الرخص الشرعية حيث فتح الإسلام أبوابها في جميع الأحكام تقريباً والرخصة: هي ما شرعه الله من الأحكام تخفيفاً على المكلف في حالات خاصة تقتضي هذا التخفيف [67] والمشقة لا تصل إلى درجة العسر والحرج ومع ذلك فقد أباح الله الفطر في حالات تعظم فيها المشقة فأباح الفطر للمسافر والمريض والحامل والمرضع وشرع التيمم عند فقد الماء والقصر في السفر وشرع الكفارات لتمحو آثار الذنوب إلى غير ذلك مما يدل على مراعاة السهولة ورفع الحرج في التشريع حتى لاتكلّ همم الناس عن أداء ما أوجبه الله عليهم [68].
 

كما امتازت الشريعة الإسلامية عما تقدمها من الشرائع بقلة التكاليف، فلم تثقل كواهل أتباعها بالأوامر والنواهي بل سلكت بهم طريقاً وسطاً لا إعنات فيه بكثرة التكاليف ولا إرهاق [69].
 

وقد قرر العلماء بأن الحرج مرفوع عن المكلف باتفاق وأن الشارع لم يقصد في التكليف إلى الشاق والإعنات وأن الإجماع على عدم وقوعه وجوداً في التكليف، وأن الشريعة موضوعة بقصد الرفق والتيسير [70].
 

والخلاصة أن الحكمة من ذلك: التخفيف عن العباد والاعتدال والرغبة في أن يسير المكلف على الصراط المستقيم وأن لا يتعرض لانقطاع أو بغض للشرع أو العبادات أو كراهية التكاليف، وكي لا تشغله العبادات عن الواجبات الدنيوية أو الخاصة في نفسه وأهله.
 

كما إن خير العمل أدومه وإن قلّ وهذا تأكيد لإقامة الاعتدال والتوازن بين المصالح وتقدير للواقع الإنساني والضعف البشري.
 

(وقد ورد أنه صلى الله عليه وسلم دخل المسجد وحبل ممدود بين ساريتين فقال: " ما هذا؟ "... قالوا: لزينب [71] تصلي فإذا كَسِلَت أو فترت أمسكت به. فقال: " حُلُّوه.. ليصل أحدكم نشاطه فإذا كَسِل أو فَتَرَ قَعَدَ "[72].
 

وفي هذا الحديث: الحثُّ على التوسط في العبادة والأمرُ بالإقبال عليها بنشاط وأنه إذا فَتَر فليقعد حتى يذهب الفتور. [73]
 

وبهذا يتبين لنا أن العبادات في الإسلام تتناسب مع طبيعة قدرة الإنسان دون ثقل عليه أو مشقة فإذا حدثت مشقةٌ كانت هناك رخصة شرعية لها ضوابطها يلجأ إليها المسلم عند الضرورة.
 

والإسلام أبان بكثير من أحكامه وآياته أن غايته هي: تحقيق مصالح الناس ودفع الضرر عنهم.[74]
 

الوسطية في جانب السلوك:
ما يجب أن يكون عليه سلوك المسلم هو جزء مما يجب أن تكون عليه عقيدته وعبادته من التوسط والاعتدال. فالله سبحانه وتعالى يقول في القرآن الكريم: ﴿ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ﴾[75].
 

(أي واعدل فيه حتى يكون مشياً بين مشيين لا تدب دبيب المتماوتين ولا تثب ثيب الشطّار )[76]( فامشِ مشياً مقتصداً ليس بالبطيء المتثبط ولا بالسريع المفرط بل عدلاً وسطاً بين بين.... ولا تبالغ في الكلام ولا ترفع صوتك فيما لا فائدة فيه )[77].
 

هذا هو تصوير القرآن لشخصية المسلم العامة، ويكون المسلم هكذا وسطاً في سائر مجالات حياته ففي الطعام والشراب يقول الله تعالى: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾[78]، ويقول تعالى في الإنفاق: ﴿ وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً ﴾ [79].
 

( أي لا تكن بخيلاً منوعاً لا تعطي أحداً شيئاً ولا تسرف في الإنفاق فتعطي فوق طاقتك )[80].
 

فالمسلم وسط في الارتباطات، والعلاقات لا تلغي شخصية الفرد ومقوماته، ولا تلاشي شخصيته في شخصية الجماعة، تطلقه كذلك فرداً أَثِرَاً جَشِعَاً لا هم له إلا ذاته.
 

إنما تطلق من الدوافع والطاقات ما يؤدي إلى الحركة والنماء وتطلق من النوازع ما يحقق شخصية الفرد وكيانه ثم تضع موانع للغلو ومن الدوافع ما يثير رغبته للعمل [81].
 

وخير ما نستدل به بعد الآيات الكريمة السابقة في تكوين شخصية المسلم المعتدلة:
قصة الرهط الثلاثة الذين جاؤوا إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فلما أخبروا كأنهم تقالّوها ! فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم وقد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ! قال أحدهم: أما أنا فأنا أصلي الليل أبدا وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر وقال آخر: أما أنا فإني أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " أنتم الذين قلتم كذا؟ أما و الله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصليّ وأرقُد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني " [82].
 

فطريقة النبي صلى الله عليه وسلم الحنيفية السمحة فيفطر ليتقوّى على الصوم وينام ليتقوى على القيام ويتزوج لكسر الشهوة وإعفاف النفس [83]
 

وقد بين العلماء حكم النكاح في هذا الحديث حسب حال الشخص وتَوْقِهِ إلى النكاح ووجود المؤن لديه مما لا مجال للخوض فيه والاسترسال [84].
 

الوسطية في جانب الاقتصاد:
إن من أهم الجوانب الحياتية التي تبرز فيها وسطية الإسلام هو الناحية المالية والاقتصاد فيه، حيث ذهب كثير من المفكرين المسلمين المعاصرين إلى بيان حقيقة الاقتصاد الغربي وما يحمله من آثار سيئة وبينوا جانب الغلو في ذلك حين طغيان الجانب المادي في الإنسان على الجانب الروحي مما جعل هذه الحضارة عديمة الأخلاق تفتك ببني البشر دون رحمة بأسلحة التدمير الشامل والترسانات النووية التي تهدّد حياة البشر في أية لحظة.
 

ثم نبحث في تفريط المسلمين في ترك الدنيا والعمل لها وما جَرَّ ذلك على العالم الإسلامي من تخلّف وركود وتسلط الأعداء..
 

للوصول إن شاء الله إلى توضيح وسطية الإسلام بين طغيان المادة وإهمالها كلياً.
 

تتبوأ المشكلة الاقتصادية في النظام العالمي مكان الصدارة لأنها المسألة الخطيرة التي تشغل العالم. وقد حملت حضارة الغرب المادية حالة من اضطراب العلاقات الدولية في يدٍ بينما حملت في اليد الأخرى حالة من النزاع بين الطبقات المختلفة.[85]
 

إن علم الاقتصاد الغربي ليس علماً أخلاقياً بالرغم من أنه يمسّ البشر في حياتهم وعلاقاتهم [86] ويخطئ من ينظر إلى المسألة بمنظور أخلاقي.[87]
 

لذلك فالغرب اليوم بسبب سيطرته الاقتصادية والسياسية والعسكرية يفرض على العالم بأكمله نموذجه في النحو الذي يولّد في آنٍ واحدٍ تفاوتات متزايدة وينزع من نفوس الفقراء كل تفاؤل في المستقبل.[88]
 

وقد ظهر النظام الاشتراكي منادياً بالثورة على النظام الرأسمالي، مدعياً تحقيق العدالة الاجتماعية إلا أنه سقط في هوّة سحيقة على شكل انهيار مروّع وكان من أهم أسباب السقوط هو تلك المفارقة بين الواقع والأحلام النظرية وتجاهل الناحية الروحية في الإنسان.[89]
 

ولذلك فإن الاقتصاد في الإسلام يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمنهج الإلهي الذي يقوم على التوازن بين المصالح وحب الخير لجميع الناس والابتعاد عن كل ما يسيء إلى العلاقات الودّية بين الناس.
 

فقد انتشر الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا [90]. مما أورث ذلك غلواً في الجانب المادي مصحوباً بغلو آخر في الجانب العقلي فظهرت الدعوة إلى الزهد في الدنيا، بطريقة لم تكن معروفة زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي: ترك العمل للدنيا وعدم طلب الحاجة من أي شخص كان وترك الأسباب كلياً بدعوى التوكل على الله تعالى.[91]
 

وقد أُلِّفَتْ كتبٌ وصُنِّفَتْ مجلدات في ذم الدنيا والإنكار على من اشتغل بها، وصوّر دعاة الزهد في الدنيا في صورةٍ سيئةٍ جداً بأنها:
( مزينة الظواهر، قبيحة السرائر وهي شبه عجوز متزينة تخدع الناس بظاهرها فإذا وقفوا على باطنها وكشفوا القناع عن وجهها تمثّل لهم قبائحها فندموا على اتباعها وخجلوا من ضعف عقولهم ).[92]
 

بل جعلوا الزهد في الدنيا متمثلاً في ثلاثة أشياء: القلة والخلوة والجوع.[93]
 

حتى لبس كثير منهم الخرقة الصوف علامة على ترك الدنيا.[94]
 

لا يخفى علينا أن التعليم الإسلامي كله في القرآن والسنة يدعو إلى الحلول الوسطى دائماً قال تعالى:﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾[95]



(وأما توعية الإنسان المسلم في الميدان الاقتصادي فيجب أن تجرّه إلى وثنية جديدة ليصير من عباد صنم جديد اسمه الاقتصاد)[96].
 

فوسطية الإسلام هو الحد المعتدل بين الحالتين السابقتين والتي تمثلت في حياة الرعيل الأول الذين نشأت على أيديهم الحضارة الإسلامية حيث استهانوا بالدنيا ووضعوها من المهانة في الموضع الذي جعلها الله فيه وفي نفس الوقت ساقوا الدنيا مسخرّين لها لعمارة الأرض وإقامة المجتمع الإسلامي الصحيح فالتزموا بذلك الوسطية التي ربّاهم الإسلام عليها.
 

وهي إخراج حب الدنيا من القلب فأخضعها الله لهم وسيّروها ورائهم، بمقدار ما تساموا عليها.
 

ووسطية الإسلام تسعى بالإنسان في طريق معتدل سليم نحو تحقيق سائر حاجاته وأشواقه الإنسانية المختلفة في تناسق مطرِّد وتوازن دقيق.
 

إن بإمكاننا أن نجد أمثلة عملية كثيرة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحياة أصحابه والتابعين من بعدهم، قد جاءت تلك الأمثلة تطبيقاً عملياً على التعليمات القرآنية لكيفية التعامل مع الدنيا في أن يتحرر الإنسان من حبها وذل التعلق بها من خلال التأمل في الصفات التي وصفها الله عز وجل بها ثم يقبل عليها ! فيستخدمها أداة مسرة في بناء المجتمع الإنساني الرشيد الذي أمر الله تعالى عباده ببنائه.[97]
 

على ضوء ما سبق يتبين لنا أن الاقتصاد اليوم له دور كبير في حياة الأمم بل إن الاقتصاد صار العصا الغليظة التي يُضرب بها والوسيلة الناجحة في يد الاستعمار الحديث في السيطرة السهلة على رقاب الشعوب وقيامها حسب ما يريد.
 

ولقد ترتب على التبعية الاقتصادية التي فرضتها الدول الغربية على الدول الإسلامية أن أصبحت قطاعات النشاط الاقتصادي ترتبط ارتباطاً شبه كامل مع الاقتصاد الغربي معظمه على الأرباح والاحتكار وغير ذلك من الدوافع المادية البحتة التي لا تأخذ في الاعتبار مصالح المجتمع في مجموعة والتي لا تعطي الجوانب الإنسانية والروحية أي اهتمام...)[98].
 

ومعلوم أن الإسلام رفض الذل والخنوع والفقر وأمر بالغنى لقوله صلى الله عليه وسلم: " إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي "[99] وما أمره بالغنى إلا أنه أمر بالزكاة والزكاة لا يمكن إلا من غنىً إلا أن التوسط في جميع الأمور مطلوب والقصد فيها حسنٌ محمود وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ثلاث خصال يحبها الله ورسوله: القصد، والتؤدة، وحُسن الخلق "[100].
 

ولقد أمر الإسلام بالقوة قال تعالى: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ ﴾[101].
 

والمال هو سيد القوة اليوم بل له الدور الرئيسي كما أسلفنا في حياة الشعوب.
 

والإسلام يطلب الاستمتاع بمباهج الحياة المعقولة للناس جميعاً كبيرهم وصغيرهم غنيهم وفقيرهم، فإذا دعا في بعض الأحيان إلى الصبر والرضا فليست هذه دعوة إلى الزهد والحرمان، إنما دعوة إلى احتفاظ النفس بطمأنينتها على الشدائد إلى أن تزول وتزال، أما بعد ذلك فكل فردٍ مطالب بأن يستمتع بالمتاع الحلال[102].
 

خاتمة:
تتبين مما سبق حقيقةٌ واحدةٌ هي أن الله سبحانه وتعالى شرع الإسلام لجميع الناس فاقتضى ذلك منه جلّ شأنه أن تتناسب أحكامه طبيعة البشر جميعاً وتلائم فطرتهم السليمة دون مشقة لا يقدرون على القيام بها فتخرجهم من المسار الصحيح. ودون إهمال أو تساهل لا يبالون به فتوقعهم في الانحراف والرذيلة.
 

فجاءت أحكامه متناسقة متوازنة تدرك بالعقل السليم المجرد من النوازع والرغبات.
 

وقد حفل التاريخ الإسلامي بأمثلة الغلو نتيجة للأهواء وتدّخل الأعداء وتظاهر الكثير منهم بالإسلام بقصد الفتنة والإفساد فخلطوا الصالح بالطالح والصحيح بالسقيم وكثُر الوضاعون للحديث.
 

إلا أن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾[103].
 

فكان أن سخّر العلماء العاملين الذين بيّنوا حقيقة الدين وصفاءه وبَعده عن الغلو والأهواء ووضعوا موازين دقيقة للأحاديث النبوية الشريفة.
 

وهكذا فإن في كل عصر هناك من العلماء من سخّره الله سبحانه لذلك الأمر وإلا لضاع الذين وانحرف كما انحرفت الديانات السابقة.
 

وهذا من حفظ الله سبحانه للإسلام فالحمد له وحده أولاً وآخراً أن ميّز ديننا الإسلام باليسر والاعتدال والتوسط في الأمور وسهولة التكاليف لتناسب كل زمان وعصر، وتواكب كل جيل وعرف، فيكون نوره ساطعاً إلى يوم القيامة.

_______محمدشوقى__________
إلهي ♡
كم تعصف بي رياح الفتن والمصائب فأجدني كالشريد الحائر.. لكن رحمتك الواسعة ما أسرع أن تأخذ بيدي إلى دوحة الإيمان فلك الحمد على لطفك وكرمك ..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://qqqq.forumegypt.net
 
وسطية الاسلام وغلو العلمانيين
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
مُلتَقى الدعوةُ والدعاةُ :: أصول الفقه&القواعد الكليه للفقه"-
انتقل الى: